ابن قيم الجوزية

46

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

يسمعها من يشاء من خلقه ، بل كلامه في زعمهم هو ما سبقت الإشارة إليه من إفاضة المعاني على قلوب الأنبياء ، ثم تجسم تلك المعاني في نفوسهم بواسطة القوة المتخيلة حروفا وألفاظا . وكذلك نفوا إرادته ومشيئته لإيجاد العالم لأنه عندهم علة ، والعلة يصدر عنها معلولها بطريق الإيجاب دون مشيئة أو اختيار ، فهو سبحانه عندهم لم يقصد إلى خلق شيء ولا اختاره ، ولكن الأشياء تصدر عنه كصدور الحرارة عن النار . وبما أن العالم معلول له والمعلول لا ينفك عن علته ، فهو لازم له بالذات لا ينفك عنه في وقت من الأوقات ، فإن العلة ما دامت باقية فمعلولها باق ببقائها لا يجوز عليه العدم والفناء ، ومن هنا حكموا ببقاء الأفلاك بقاء سرمديا لا انتهاء له ، وأنكروا ما وردت به النصوص الصريحة من انشقاق السماء وتناثر الكواكب يوم القيامة ، لأنها عندهم غير قابلة للخرق والالتئام . وكذلك قالوا أن اللّه عز وجل لا يعلم الأشياء الموجودة في هذا العالم بأعيانها ، ولا يعلم ما يطرأ عليها من أحوال وتغيرات ، فهو لا يعلم أعداد الأفلاك ولا مواقع النجوم ولا منازل الشمس والقمر ، ولا يسمع أصوات المصوتين ولا يرى أشخاصهم ، ولا يعلم أحوال الناس على التفصيل ولا سعيهم فيما يكسبونه من طاعات أو معاص ، وكذلك لا علم له عندهم بما يتساقط من أوراق الأشجار أو بما ينبت فيها من أغصان ، فعلم ذلك على التفصيل هو عندهم على اللّه مستحيل ، وحجتهم في ذلك قائمة على التشغيب والتضليل ، فإنهم قالوا كما قال أرسطو من قبل أن علمه بهذه الجزئيات المتغيرة المتكثرة يؤدي إلى التكثر والتغير في ذاته ، لان العلم عندهم هو حصول المعلومات في نفس العالم بوجود ظلي مطابق للوجود الخارجي ومعلوم أن التغير والتكثر إمارة الإمكان ، وهذا ينافي ما ثبت له من وجوب الوجود . ولا شك أن إنكار الفلاسفة لعلم اللّه عز وجل بالجزئيات جحد صريح للنصوص القرآنية التي تخبر عن سعة علمه وشموله ، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة